أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
59
العقد الفريد
ولكنّ بالمدينة ثلاثة نفر كانوا أصدقاء لمولاتي ، كنت أحبّ أن ينالهم من خير ما صرت إليه ! فكتب إلى عامله بالمدينة في أشخاصهم ، وأن يعطي كل رجل منهم عشرة آلاف درهم ، وأن يعجل بسراحهم إليه ؛ ففعل عامل المدينة ذلك ؛ فلما وصلوا إلى باب يزيد استؤذن لهم ، فأذن لهم وأكرمهم وسألهم [ عن ] حوائجهم ؛ فأما الاثنان فذكرا حوائجهما فقضاها لهما وأما الثالث فسأله عن حاجته ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ، ما لي حاجة ! قال : ويحك ! ولم ؟ ألست أقدر على حوائجك ؟ قال : بلى يا أمير المؤمنين ، ولكن حاجتي لا أحسبك تقضيها ! قال : ويحك ! فسلني ، فإنك لا تسألني حاجة أقدر عليها إلا قضيتها . قال : ولي الأمان يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم وكرامة ، قال : إن رأيت أن تأمر جاريتك فلانة التي أكرمتنا لها أن تغنّيني ثلاثة أصوات أشرب عليها ثلاثة أرطال ، فافعل ، قال : فتغير وجه يزيد . وقام من مجلسه ، فدخل على الجارية فأعلمها ؛ قالت : وما عليك يا أمير المؤمنين ؟ أفعل ذلك . فلما كان من الغد أمر بالفتى فأحضر ، وأمر بثلاثة كراسي من ذهب فألقيت ؛ فقعد يزيد على أحدها ، وقعدت الجارية على الآخر ، وقعد الفتى على الثالث ؛ ثم دعا بطعام فتغدّوا جميعا ، ثم دعا بصنوف الرياحين والطيب فوضعت ثم أمر بثلاثة أرطال فملئت ؛ ثم قال للفتى : قل ما بدا لك وسل حاجتك . قال : تأمرها تغني : لا أستطيع سلّوا عن مودّتها * أو يصنع الحبّ بي فوق الذي صنعا أدعو إلى هجرها قلبي فيسعدني * حتى إذا قلت هذا صادق نزعا فامرها فغنّت ، فشرب يزيد وشرب الفتى ، ثم شربت الجارية ؛ ثم أمر بالأرطال فملئت ، ثم قال للفتى : سل حاجتك . قال : تأمرها تغني : تخيّرت من نعمان عود أراكة * لهند ، ولكن من يبلّغه هندا ؟ ألا عرّجا بي بارك اللّه فيكما * وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا قال : فغنت بهما ، وشرب يزيد ثم الفتى ثم الجارية ؛ ثم أمر بالأرطال فملئت ؛ ثم قال للفتى : سل حاجتك . قال : يا أمير المؤمنين مرها تغني : منّا الوصال ومنكم الهجر * حتى يفرّق بيننا الدهر